الشنقيطي

255

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ذريتهما ، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء ، لأنهما أصل لذريتهما كما قال : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ [ الأعراف : 11 ] أي بتصويرنا لأبيكم آدم لأنه أصلهم بدليل قوله بعده : ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [ الأعراف : 11 ] ، ويدل لهذا الوجه الأخير أنه تعالى قال بعده : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 190 ) أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 191 ) [ الأعراف : 190 - 191 ] ، وهذا نص قراني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم ، لا آدم وحواء ، واختار هذا الوجه غير واحد لدلالة القرآن عليه ، وممن ذهب إليه الحسن البصري ، واختاره ابن كثير - والعلم عند اللّه تعالى - . قوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 200 ) [ 199 - 200 ] . بين في هذه الآية الكريمة ما ينبغي أن يعامل به الجهلة من شياطين الإنس والجن . فبين أن شيطان الإنس يعامل باللين ، وأخذ العفو ، والإعراض عن جهله وإساءته . وأن شيطان الجن لا منجى منه إلا بالاستعاذة باللّه منه . قال في الأول : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) وقال في الثاني : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 200 ) ، وبين هذا الذي ذكرنا في موضعين آخرين . أحدهما : في سورة قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ قال فيه في شيطان الإنس : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ( 96 ) [ المؤمنون : 96 ] وقال في الآخر : وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ( 97 ) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ( 98 ) [ المؤمنون : 97 - 98 ] . والثاني : في حم « السجدة » قال فيه في شيطان الإنس : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 ) [ فصلت : 34 ] وزاد هنا أن ذلك لا يعطاه كل الناس ، بل لا يعطيه اللّه إلا لذي الحظ الكبير والبخت العظيم عنده فقال : وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 35 ) [ فصلت : 35 ] ثم قال في شيطان الجن : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 36 ) [ فصلت : 36 ] . قوله تعالى : وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ( 202 ) [ 202 ] . ذكر في هذه الآية الكريمة أن إخوان الإنس من الشياطين يمدون الإنس في الغي ، ثم لا يقصرون ، وبين ذلك أيضا في مواضع أخر كقوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) [ مريم : 83 ] ، وقوله : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ [ الأنعام : 128 ] ، وبين في موضع آخر أن بعض الإنس إخوان للشياطين وهو قوله : إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ [ الإسراء : 27 ] الآية .